أزمة "الدستور" في موريتانيا.. خيارات النظام ورهانات المعارضة *

خميس, 03/30/2017 - 14:01

لم تكن الأزمة السياسية في موريتانيا محتاجة إلى ضلع جديد، ولا كانت في أي وقت من أوقاتها أكثر حاجة إلى الانفراج مما هي عليه الآن، إذ لم تعد أزمة نظام ومعارضة في معسكرين متضادين، بل أخذت ملامح متعددة.

فهي على مستوى الأطراف السياسية أزمة أغلبيات متصارعة داخل جسم واحد، وقد خرجت تلك الصراعات إلى الواجهة عندما قرر شيوخ الأغلبية إسقاط التعديلات الدستورية التي قدمتها الحكومة، منهين بذلك الشرعية القانونية لتلك التعديلات، بعد أن تلاعبت رياح الخلاف السياسي بمشروعيتها السياسية.

وهي أيضا أزمة معارضات متنوعة المرامي والأهداف متعارضة الخطاب والمواقع، وهي وعلى مستوى المضامين أزمة سياسية، تنتظم كل المؤسسات السياسية في البلد، وهي -في آخر تجلياتها السياسية- أصبحت أزمة دستورية بالغة التعقيد، دون أن يغفل ذلك ملامح ظلال دولية وإقليمية تحرك أصابع متعددة في المشهد السياسي الموريتاني.

مسار طويل من الأزمة
يغيب عن كثير من المراقبين للمشهد السياسي أن أزمة السلطة والشيوخ في موريتانيا بدأت منذ خطاب النعمة 3 مايو/أيار 2016 الذي أعلن فيه الرئيس نيته إلغاء مجلس الشيوخ، وإقامة مجالس جهوية مكانه، فقد رأى الشيوخ في ذلك إهانة لهم وأنشأوا لجنة للمتابعة ظلت تعمل بصمت وهدوء في جمع كلمة الشيوخ مخافة أن تذبحهم أصواتهم، مختارين أن يمضوا بيد عمر لا بأيديهم.
لكن الأزمة السياسية -وإن زادها الشيوخ صدى وقوة- فليست وليدة الأمس القريب بل هي امتداد لجراح الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله في 6 أغسطس/آب 2008 حيث تبادلت بعض القوى السياسية المواقع، فنشطت قوى من المعارضة التاريخية في دعم الانقلاب، وخرجت قوى تاريخية من معسكر الموالاة إلى صف المعارضة الذي مثلته الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية، وسرعان ما وضعت هي الأخرى عصا النضال السياسي وتوزعت أطرافها بين صفوف الأغلبية والمعارضة، متخذة في ذلك أسماء متعددة، من منسقية المعارضة إلى منتدى الوحدة والديمقراطية.
أطراف المشهد
تيار الأغلبية: يجمع تيار الأغلبية أحزابا سياسية عديدة، وطوائف اجتماعية وقوى دينية متعددة، تنضاف إليها ظلال من سطوة العسكر، الممسك حقيقة بزمام الأمر، والبوابة الوحيدة إلى كرسي الرئاسة وما دونه من مقاعد السلطة ومواقفها في موريتانيا ومن أبرز مكونات تيار الأغلبية:

- حزب الاتحاد من أجل الجمهورية: ذي الرؤوس المتعددة والأجنحة المتصارعة، وهو الحزب الأول المعبر عن رأي السلطة، والجامع لما تفرق من قوى النفوذ المحلية الموزعة في المجموعات القبلية وقوى النفوذ السياسية. وتتصارع ضمن هذا الحزب عدة دوائر هي:

- دائرة الوزير الأول السابق مولاي ولد محمد الأغظف المناوئة لدائرة الوزير الأول الحالي يحيى ولد حدمين.

- دائرة الوزير الأول الحالي: يحيى ولد حدمين وحلفه السياسي والأمني الوطيد.

- دائرة أحزاب الأغلبية: وهي على كثرتها وتعدد عناوينها لا تمثل قوة سياسية فاعلة، ومؤثرة في المشهد، ويظهر ذلك في حجم مشاركتها في الحكومة بحزب واحد لا أكثر.
معارضات لنظام واحد: ليست المعارضة هي الأخرى طرفا واحدا بل هي رؤوس متعددة، وجزر متجاورة يجمعها عاملان:

- السعي للإطاحة بنظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز، أو الإطاحة بشيء من سلطته.
- الخلاف حول سبل تحقيق الهدف والعجز الجماعي عن تحقيقه.

ولعل من أبرز المعارضات:
- المعارضة التقليدية: ممثلة في المنتدى الوطني للوحدة والديمقراطية الذي يضم ائتلافا من الأحزاب السياسية والنقابات والشخصيات المستقلة التي أدارت كفة البلد مثل الرئيس الأسبق اعل ولد محمد فال ووزراء سابقين وعسكريين متقاعدين.

- حزب تكتل القوى الديمقراطية: برئاسة الزعيم أحمد ولد داداه، وهو الحزب الذي لدغ من جحر الانقلاب العسكري في 2008، ليحجز بعد ذلك مقعدا ثابتا في المعارضة المناوئة للرئيس محمد ولد عبد العزيز الذي يرى فيه غريمه ولد داداه" بلاء مبرما" وفق تعبيره.
- المعارضة المحاورة: وتضم هي الأخرى أشتاتا من الأحزاب السياسية أبرزها حزب التحالف الشعبي التقدمي برئاسة مسعود ولد بلخير الرئيس السابق للبرلمان، وحزب برئاسة الوزير الأسبق بيجل ولد حميد، وأطراف أخرى سياسية أقل وزنا شعبيا وإن كان حضورها الإعلامي مشهودا.

- المعارضة الراديكالية: وتمثلها أطراف سياسية واقتصادية خارج البلد تعيش حالة صراع مفتوح وقوي مع النظام، وتتمتع بعلاقات سياسية إن لم تكن مالية مع المعارضة ومن أبرزها رجلا الأعمال المعارضين محمد ولد بوعماتو، المصطفى ولد الإمام الشافعي الناشطين بقوة في مواجهة النظام.

- المعارضة الشرائحية: ويمكن أن نصنف فيها القوى السياسية المناوئة لشكل الدولة، ومن أبرزها حركة إيرا المنافحة عن حقوق الحراطين (العبيد السابقين) بقيادة السياسي بيرام ولد الداه ولد اعبيدي إضافة إلى تجمعات متعددة من القوى الزنجية.

- القوى الشبابية المعارضة: ومن أبرزها نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي، ويبقى تأثيرهم على مستوى صناعة الرأي العام قويا وفاعلا ومؤثرا.

التعديلات.. طريق الأزمة 
تشمل التعديلات المقترحة تعديل ألوان العلم بإضافة حمرة وفاء لشهداء المقاومة، وتعديل النشيد الوطني بما يخلد أمجاد الشهداء، واستبدال مجالس محلية بمجلس الشيوخ وتعديل وضعية المحكمة العليا السامية المختصة بمتابعة الرئيس ومن حوله. ورغم الخلاف السياسي العميق حول هذه التعديلات فإن الجانب الدستوري فرض نفسه بقوة في تفاصيل ما بعد تصويت الشيوخ، ليضيف أيضا طرفا آخرا وهو بعض رجال القانون، وموضوعا وهو شرعية الاستفتاء الشعبي.

ويمكن الآن تحديد أبرز الأطراف المناوئين للتعديلات في:

- المعارضة التقليدية: في منتدى المعارضة وحزب تكتل القوى الديمقراطية التي رفضت المشاركة في الحوار أصلا، ورفضت التعاطي مع مخرجاته وأعلنت التعبئة ضدها.

- أطراف من المعارضة المحاورة، وقد وقفت بقوة في وجه تعديل العلم أو النشيد قبل أن تتفق مع الأغلبية على إحالة المسألة بجملتها إلى الاستفتاء الشعبي.

- مجلس الشيوخ بأغلبية 33 من أصل 56 واضعين بذلك حدا قانونيا للمسار البرلماني للتعديلات.
خيارات صعبة
ولقد وضع هذا الرفض الرئيس محمد ولد عبد العزيز بين خيارين أحلاهما في غاية الصعوبة، فإما:

- أن يواصل طريق الاستفتاء الشعبي متجاوزا كل الأزمة الحالية بكل تفاصيلها وأطرافها، ومتجاوزا أيضا الجدل الدستوري المتصاعد حول شرعية استنجاد الرئيس بالمادة 38 من الدستور الموريتاني والتي تتيح له استفتاء الشعب في كل قضية ذات أهمية وفق التقدير الذي منحه صائغو الدستور للرئيس، وذلك في مواجهة القيود الواضحة التي تحددها المادة 99 من نفس النص الدستوري والتي تقطع الطريق -وفق من يعتمد عليها من الخبراء الدستوريين- أمام أي تقدم في مسار التعديل الدستوري المقترح.

والواقع أن هذا المسار وإن ساندته آراء خبراء دستوريين ودعمته مسارات متعددة، من بينها رغبة الرئاسة وما حولها من قوة عسكرية ومال عمومي وسياسي وأصابع نفوذ قبلية، فإن شرعيته السياسية والشعبية تبقى ضئيلة جدا ولن يزيد الأزمة غير تعقيد.
- أن ييمم الديمقراطية هدفا ومسارا ويعلن سحبه للتعديلات الدستورية، ضمن مسار للعودة إلى الحوار، ورغم أهمية هذا الخيار وكونه كفيلا برفع شعبية الرئيس إلى أعلى مستوى وقطع الطريق أمام المعارضة إلا أن كل المؤشرات تؤكد أنه سيكون أبعد الخيارات خصوصا بعد:

-إعلان الرئيس بشكل قاطع نهاية أي حوار مع المعارضة المقاطعة.
- سعي النظام إلى ترميم سمعته وقوته ورص معسكره المتناثر القوى وهو ما يجعل إي صوت للعقل موازيا في عرف السلطة للضعف.
خيارات المعارضة: تعيش المعارضة حالة انتعاش سياسي، بعد أن انتقلت حمى التشتت إلى داخل الأغلبية، وتتعزز قوة المعارضة اليوم في موريتانيا بمؤشرات متعددة أبرزها:

- حالة الانقسام داخل السلطة وتعدد الرؤوس المتصارعة داخل الدرجة الثانية من السلطة.
- وضعية الإشكال الدستوري الذي يضيف عامل أزمة جديدة داخل السلطة وأطرافها، وقد يجعل تمسك الرئيس بالتعديلات الدستورية رغم ما يواجهها من رفض شعبي وإشكال دستوري ضربا جديدا من الديكتاتورية.

مآلات المشهد
لا شيء يدل على أن السلطة ممثلة في الرئيس ستتراجع عن مشروع التعديلات الدستورية رغم ما تكلفه من أزمة سياسية، وقانونية بالغة التعقيد، وما تستنزفه من رصيد مالي يمكن أن يوجه إلى مشاريع تنموية أكثر استعجالية في بلد يعاني أغلب سكانه الفقر والعجز عن الوصول إلى الخدمات العامة.

ويعني المضي في هذه الطريق مزيدا من التأزم وتعميق الهوة بين المعارضة التقليدية والنظام، مما يعني احتمال الاحتكام إلى الشارع قريبا من خلال استنجاد النظام بصناديق الاقتراع، واستنجاد المعارضة بالمظاهرات والأنشطة الشعبية المناوئة للتعديلات الدستورية والمحرضة ضد النظام.

ولكن من غير المستبعد مشاركة قوى معارضة في مخرجات الحوار، وخصوصا ما يتعلق بانتخاب المجالس الجهوية ويتعلق بالأمر بأحزاب المشاركة الانتخابية والتي يصعب أن تفوت أي فرصة لتحصيل مقعد أو مكسب سياسي، وهو ما يعني تشتت سيرة المعارضة وعودتها إلى عادتها القديمة في التفرق كلما لاحت فرصة لإجماعها على مرشح أو موقف سياسي.

عين على الجيش: غير خاف أن موقف النظام من التعديلات هو الأضعف سياسيا الآن نظرا لغياب الإجماع السياسي والقانوني حولها، وأن السند السلطوي في علاقته بالجيش وسطوة الدولة هو الأساس الذي تبني عليه الرئاسة سعيها إلى فرض هيبتها وتمرير مشروعها لتعديل الدستور، ويظهر جليا أن المعول عليه اليوم هو مساندة المؤسسة العسكرية أولا وأذرع الدولة العميقة في مؤسساتها السياسية ونفوذها الاجتماعي.

ويتعزز بالثناء المتواصل للرئيس على الجيش وامتنانه على المؤسسة العسكرية أنه هو من بناها ورفع سمكها وسواها مؤسسة عسكرية مرهوبة الجانب حامية للحدود بعد سنوات من الضعف والترهل.
وليست "عين الرئيس" وحدها الموجهة إلى الجيش، فقوى الأغلبية أيضا ترقب الخليفة القادم للرئيس، والذي سيخرج من رحم المؤسسة العسكرية أو بدعم منها، مما يعني أن حالة الترقب ستفرض نفسها بقوة في المرحلة القادمة.
وغير خاف أن المعارضة لن تدخر أي جهد هي الأخرى في استدرار دعم الجيش وتحريضه على مؤسسة الرئاسة، محاولة بذلك إعادة المشهد السياسي في 2008 كرة أخرى، عندما تأزمت العلاقة بين الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله وأغلبيته، فتدخل الجيش لحسم القضية، وأحال الرئيس إلى السجن.

وقد توجهت عيون المعارضة وألسنتها منذ أيام إلى الجيش عبر تصريحات متعددة لرؤساء كتل اللقاء الوطني وتواصل الإسلامي وكتلة العقد الاجتماعي إشادة بالجيش وثناء على دوره وسعيا إلى تحييده عن الصراع بين السلطة ومعارضاتها المتعددة الأوجه والمسارات.

ورغم أن تحليل المآلات الحدية لما قد ينتج عن هذه الأزمة يحتاج عنصرا مغيبا وهو مساحة الثابت والمتغير في مواقف المؤسسة العسكرية، فإن من المهم الجزم بأن:

- أزمة الشيوخ وإن أضعفت هيبة النظام السياسية والشعبية، وأدخلته في إشكال دستوري عميق فإنها ليست بذات القوة التي قد تؤدي إلى سقوطه على يد شيوخ هم في الغالب من صنيعته أو على يد معارضة لم يفتأ النظام يصفها بأنها "شيوخ عجزة".

- أن تصويت الشيوخ أضاف عنصر قوة إلى المعارضة دون شك وزاد مساحتها باعتبار المصوتين ضد التعديلات قد حجزوا مقاعد رسمية في سفينة خصوم النظام، وأضافت التعديلات أيضا عنصرا جديدا إلى حقيبة الأزمة.

- أن نتائج الاستفتاء الشعبي ستكون العنصر الأكثر تأزيما في العلاقة بين السلطة والمعارضة وقطاعات واسعة أيضا من الموريتانيين ترى في تعديل العلم والنشيد تخوينا لماضيها السياسي واستهدافا لرموزه الاجتماعية، ويزداد الأمر عمقا إذا ترتبت على ذلك المرحلة الموالية وهي انتخاب مجالس برلمانية وبلدية جديدة، لن تكون المعارضة بإجماع حريصة على المشاركة، ومع ذلك يبقى خيار الانقلاب العسكري -على ترقب المعارضة له- مستبعدا نظرا لتماسك الجيش ولقرب مغادرة الرئيس للسلطة وفق ما يظهر ويعلن.

- وبين هذا وذاك يبقى تصويت الشيوخ ضد التعديلات هزة قوية في المشهد السياسي، أضعفت النظام سياسيا وأخلاقيا، ودفعته إلى اختزال الوقت في ترميم جدرانه السياسية والأمنية، ومنحت المعارضة حلما وأماني وإن إلى حين قريب.

 

* محمد سالم محمد / إعلامي وباحث موريتاني

المصدر : الجزيرة