إكراهات مهنة طبيب

سبت, 12/23/2017 - 20:40

في بداية ممارستي لمهنتي منذ 20 سنة كان اعتدادي بها كبيرا لدرجة لا توصف فأنا آت من مكان يدعون فيه الطبيب حكيما ,ومن يؤتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا...........أما اليوم فكل أملي أن يكتب لي بعض أجر عملي لآ خرة أنا فيها فقير.

في ممارستي لمهنتي كنت أعتقد أن الطبيب محترم لعلمه وعمله من الجميع وبصورة تلقائية ,حتي فاجأني أحدهم ذات يوم وهو يلومني علي انتظاره عشر دقائق قبل لقائي قائلا:[إن الأطباء في كثرتهم صاروا مثل محلات غسيل الملابس ,أكثر من الهم علي القلب].

من خلال ممارستي اكتشفت أنا الذي كنت أعتقد ساذجا أن الدولة تهتم لأمر المرضي وبالتالي لأمر الأطباءحجم الوهم الكبير الذي عشت فيه عندما رموني ذات صباح في حجز للكوليرا علي ضفة النهر ونسوني لمدة عشرين يوما أسكن تحت عريش مع المرضي وأقتات علي الفستق السوداني,وبعد إغلاق الحجز كنت مضطرا للبحث عن من يساعدني للعودة إلي مكان عملي علي بعد 200 كلم بينما كانت إحدي السيارات المملوكة للوزارة والمخصصة للإسعاف تمر علي مساء وصباحا وهي تنقل المزارعين إلي حقول الوزير وكأنها في مهمة استعجالية.

في ممارستي لمهنتي رأيت أطباء يتنكرون للزمالة ويستغلون جهل العامة قصد الكسب والثراء,وقابلت أطباء يصرفون كل ما في جيوبهم لشراء الأدوية للمحتاجين والفقراء ويبيتون وهم يقتاتون علي قطع الخبز الناشف في مداومة ليلية طويلة.

مهنتي لم تسمح لي بأن أري أولادي وهم يكبرون, أن أتنزه معهم وأسمع ضحكاتهم وأشاركهم أحلامهم ولكنني رأيت أطفالا آخرين كثيرين مبتسمين في أحضان أمهاتهم كنت مشرفا علي ولادتهم وبعضهم يحمل إسمي.

في مهنتي جربت الحزن العميق علي أناس يموتون دون أن أستطيع أن أنقذ حياتهم, وجربت الفرح الطاغي وأنا أري آخرين يصعدون رويدا رويدا من منحدر اليأس والمرض إلي سطح الأمل والشفاء.

في مهنتي تعرضت لإحباطات كثيرة وخيبات أمل كثيرة ,لكنني لم أتخلي أبدا عن شرف محاولة تخفيف آلام المرض وتفهم مشاعر المريض.

بقلم د.احمد باب عبد الجليل
أستاذ بكلية الطب مختص في أمراض النساء والتوليد بالمستشفى الوطني.

من صفحة الدكتور عبد الرحمن سيديا على الفسبوك