من مفاتيح النجاح وعوامل الفشل

سبت, 01/06/2018 - 20:31

على أحد الأسِرَّة المرصوصة بجانب سريري، في بهو قاعة العمليات، بمصحة للعيون بتونس، ارتفع صوت شيخ جزائري، بدأ لتوه ثرثرة ما قبل الإفاقة من التخدير، بعد عملية جراحية معقدة في إحدى عينيه؛ قال الشيخ، والخدر يعقد لسانه، والحسرة تخنقه: " مساحة الجزائر، عشرة أضعاف مساحة تونس، وسكانها ستة أضعاف ساكنة تونس، ودخلها السنوي من مختلف مصادره يفوق دخل تونس عشرين سنة؛ فكيف يكون علي في شيخوختي أن أقطع المسافات الطويلة، وأتجشم الصعاب والنفقات الباهظة، لأجد علاجا لعيني لدى خبراء تونس"!

ثم يواصل المسِنُّ الجزائري هذيانه الخافت، ضاغطا على بعض ألحروف بصعوبة، ليبين ويشرح السبب كما يراه؛ قال: "... نعم.. كيف لا وقد كان شغلنا منذ الاستقلال، أن نردد نشيد "تحي الجزائر"، على أنغام المارش العسكري، فيما غض إخوتنا في تونس، من أصواتهم، والتزموا الصمت عاكفين على الدراسة والتعليم، فنجحوا؛ وفشلنا! كررها مرات قبل أن يعود إلى غفوته! ولا أخفيكم أن عبرة الشيخ الجزائري وحسرته، قد اجتاحتني وخنقتني، مع موجة خجل من نفسي؛ فهو كأنما كان يتحدث عني، فبلواي وإياه واحدة، وعن بلادي، فبلواها وبلوى بلاده واحدة أيضا!

ذكرني هذيان الشيخ الجزائري، على سرير مستشفى في تونس، وبين نزلائه من دول الفشل المحيطة بها، إحدى قصص النجاح والفشل، وردت في مذكرات الوزير الأول التونسي الأسبق محمد مزالي؛ فخلال زيارة للعقيد القذافي إلى تونس، عرض فيها على بوركيبه حلقة من أفكاره الغبية حول الاندماج، وفي حديث مفتوح بينهما على كل الموضوعات نصح القذافي بوركيبة بالتراخي في النهضة التعليمية التي كانت الشغل الشاغل لتونس يومها، محذرا إياه من ثورة شعب متعلم؛ فكان جواب بوركيبة له: " لثورة شعب متعلم واع، أحب إلي من ثورة شعب من الغوغاء الجهلة" انتهى الاستشهاد....

ثم دار الزمن، فثار الشعب الذي علمه بوركيبه، على خليفته الفاسد بن علي، فألقاه خارج اللعبة، بأقل التبعات، وبقيت تونس؛ ثم ثارت الجماهير التي أمعن القذافي فيها تجهيلا وتعذيبا وتقتيلا وتهجيرا، فجرفت ثورتها الدكتاتور ودولة ليبيا معا.

من صفحة الكاتب الحسن ولد مولاي اعل على الفيسبوك